سيد محمد طنطاوي
259
التفسير الوسيط للقرآن الكريم
سبحانه - جنات تجرى من تحتها الأنهار . وسماهم محسنين . والإحسان أعلى درجات الإيمان ، وأكرم أوصاف المتقين . هذا جزاء الذين سمعوا ما أنزل إلى الرسول صلى اللَّه عليه وسلم فآمنوا به ، وقالوا ما قالوا مما يشهد بصفاء نفوسهم . أما الذين سمعوا فأعرضوا وجحدوا فقد بين - سبحانه - مصيرهم السيئ بقوله : * ( والَّذِينَ كَفَرُوا وكَذَّبُوا بِآياتِنا أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَحِيمِ ) * . أي : والذين كفروا وجحدوا الحق الذي جاءهم ، وكذبوا بآياتنا الدالة على وحدانيتنا وصدق رسلنا فأولئك أصحاب الجحيم ، أي : النار الشديدة الاتقاد . يقال : جحم فلان النار إذا شدد إيقادها . وبذلك نرى الآيات الكريمة قد مدحت أولئك الذين قالوا إنا نصارى ، لأنهم تأثروا بالقرآن عند سماعه فدخلوا في الدين الحق بسرعة ورغبة ، فأكرمهم اللَّه غاية الإكرام ، وهذا ينطبق على كل نصراني ينهج نهجهم ، ويسلك مسلكهم ، فيدخل في الدين الحق كما دخل هؤلاء المحسنون . أما الذين كفروا وكذبوا بآيات اللَّه وحججه فأولئك أصحاب النار خالدين فيها وبئس المصير . ثم وجه - سبحانه - نداء إلى المؤمنين نهاهم عن تحريم الطيبات التي أحلها اللَّه لهم ، وأمرهم أن يتمتعوا بما رزقهم من رزق طيب حلال فقال - تعالى : [ سورة المائدة ( 5 ) : الآيات 87 إلى 88 ] يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحَرِّمُوا طَيِّباتِ ما أَحَلَّ اللَّه لَكُمْ ولا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّه لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ ( 87 ) وكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّه حَلالًا طَيِّباً واتَّقُوا اللَّه الَّذِي أَنْتُمْ بِه مُؤْمِنُونَ ( 88 ) قال صاحب المنار بدأ اللَّه - هذه السورة بآيات من أحكام الحلال والحرام والنسك . ثم جاء بهذا السياق الطويل في بيان أحوال أهل الكتاب ومحاجتهم ، فكان أوفى وأتم ما ورد في القرآن من ذلك ، ولم يتخلله إلا قليل من الأحكام . وهاتان الآيتان وما بعدهما عود إلى أحكام الحلال والحرام والنسك التي بدئت بها السورة . وإنما لم تجعل آيات الأحكام كلها في أول السورة وتجعل الآيات في أهل الكتاب مفصلا